تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من لدى فقهاء المسلمين

سوف تكون الدراسة في هذا المبحث،إن شاء الله،عن تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي من خلال اجتهادات الفقهاء،ومن خلال ما قررته المذاهب الأربعة المعتمدة في الفقه الإسلامي.
وتعتبر مسألة التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي من المسائل التي لم تذكر بصورة واضحة في كتب الفقه الإسلامي.
فالفقهاء في السابق لم يتناولوا حكم التحكيم في العقود الإدارية بصورتها الحالية؛
لذا سوف أقوم مستعينا بالله عز وجل ببحث تأصيل التحكيم في العقود الإدارية؛
وذلك من خلال ما ذكره الفقهاء فيما يجوز وما لا يجوز التحكيم فيه باعتبار محله،وكذلك في كون طرف التحكيم جهة إدارية وما قرره الفقهاء في الحكم الشرعي في العقود هل هي على الإباحة أم على الحظر،و ماذكروه أيضا في سلطة ولي الأمر التقديرية تجاه الرعية


المبحث الثاني
تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من لدى فقهاء المسلمين

المطلب الأول: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية لدى الفقهاء من محل التحكيم.
المطلب الثاني: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي لدى الفقهاء من كون طرف التحكيم جهة إدارية.
المطلب الثالث:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية لدى الفقهاء من أن الأصل في المعاملات.
المطلب الرابع: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية لدى الفقهاء في سلطة ولي الأمر التقديرية تجاه الرعية.

المطلب الأول
تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي لدى الفقهاء
من محل التحكيم

باعتبار أن العقد الإداري هو محل التحكيم،فسوف أستعرض في هذا المطلب،إن شاء الله،ما ذكره الفقهاء حول محل التحكيم بصفة عامة.
وذلك من خلال ما ذكروه من المسائل التي يجوز فيها التحكيم، والمسائل التي لا يجوز فيها التحكيم حتى أصل إلى حكم الفقه الإسلامي في التحكيم في المنازعات الناشئة عن العقد الإداري باعتباره محلا للتحكيم.

أولا:آراء الفقهاء في محل التحكيم

أولا:مذهب الحنفية
يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز التحكيم في القصاص (#_ftn1" target="_blank">[1])، وهذا هو المذهب(#_ftn2" target="_blank">[2]).
ويرى المذهب أنه لا يجوز التحكيم في الحدود التي لله حقا فيها،كالسرقة والزنا
وشرب الخمر والردة (#_ftn3" target="_blank">[3]) ولا في القصاص فيما دون النفس كقطع اليد وفقء العين ولا في القتل الخطأ،أو فيما يوجب الدية على العاقلة واللعان؛لأنه يقوم مقام
الحد ويجوز في غيرها،والسبب في ذلك لأن التحكيم في منزلة الصلح فيما يجوز فيه الصلح (#_ftn4" target="_blank">[4]) .
جاء في الهداية أنه لا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص؛لأنه لا ولاية لهما في دمهما وبهذا لا يملكان الإباحة،فلا يستباح برضاهما،وقالوا وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات كالطلاق والنكاح وغيرها وهو الصحيح إلا أنه لا يفتى به(#_ftn5" target="_blank">[5]).
وجاء في رد المحتار:"التحكيم فيما لك لغيرك وتولية الخصمين حاكما يحكم بينهما"(#_ftn6" target="_blank">[6]).
جاء في الفتاوى الهندية:"يجوز التحكيم في كل ما يملك المحكمان فعله في أنفسهما"(#_ftn7" target="_blank">[7]).

ثانيا:مذهب المالكية
يرى المالكية أن التحكيم يجوز في الأموال من دين وبيع وشراء،كما يجوز التحكيم في الجراحات،وفي كل ما يصح الإبراء والعفو،كما يرى المالكية أن التحكيم لا يجوز في الحدود والقصاص والطلاق والنكاح والعتق واللعان والنسب،وفي حد القذف والولاء والفسخ وفي مال اليتيم والرشد والسفه وأمر الغائب والحبس وما يتعلق بصحة العقد وفساده"(#_ftn8" target="_blank">[8])،فلا يجوز التحكيم فيها لتعلق الحق بغير الخصمين"(#_ftn9" target="_blank">[9]).
جاء في مواهب الجليل للحطاب أن التحكيم جائز في كل أمر، إلا في ثلاثة عشر موضعا وهي الرشد والسفه والوصية والحبس وأمر الغائب والنسب والولاء والحد والقصاص ومال اليتيم والطلاق والعتق واللعان وجعلوها من اختصاص القضاء(#_ftn10" target="_blank">[10]).
قال في الشرح الصغير:"وجاز تحكيم ....في مال من دين وبيع وشراء"(#_ftn11" target="_blank">[11]).

وقال الصاوي(#_ftn12" target="_blank">[12]) في حاشيته على أقرب المسالك:"والحاصل أن يحكم في الأموال" قال ابن عرفة:"التحكيم هو ما يصح لأحدهما ترك حقه فيه"(#_ftn13" target="_blank">[13]).

ثالثا:المذهب الشافعي
للمذهب الشافعي حول ما يجوز التحكيم فيه وما لا يجوز ثلاثة اتجاهات هي كالآتي:
الاتجاه الأول:أن التحكيم يجوز في كل أمر فما يجوز التحاكم فيه إلى القاضي؛
فإنه يجوز أن يكون محلا للتحكيم(#_ftn14" target="_blank">[14]).
فيجوز التحكيم في المال والقصاص والنكاح واللعان وحد القذفلأن ممن صح حكمه في مال صح في غيره،كالمولى من جهة الإمام"(#_ftn15" target="_blank">[15]).
الاتجاه الثاني:التحكيم جائز في كل شيء،واستثنوا ما لا يجوز التحكيم فيه إذا كان محل التحكيم حق الله المالي الذي لا طالب له معين،كالزكاة إذا كان المستحقون غير محصورين،وكذلك الولايات على الأيتام،وإيقاع الحجز على مستحقيه؛لأنها مما يختص بها القضاة بالإجبار عليه(#_ftn16" target="_blank">[16]).
الاتجاه الثالث:التحكيم جائز في الأموال وعقود المعاوضات فقط،ولا يجوز التحكيم في النكاح واللعان والقصاص والتعزير والحدود لأن حدود الله تعالى ليس لها طالب معين،وسبب عدم جواز التحكيم في النكاح واللعان لأنها مبنية على الاحتياط فلا يجوز جعلها محلا للتحكيم(#_ftn17" target="_blank">[17]).
قال الشربيني:"وفي وجه من طريق يختص جواز التحكيم بمال،لأنه اخف دون قصاص ونكاح ونحوهما،كلعان وحد قذف لخطر أمرها فتناط بنظر القاضي ومنصبه"(#_ftn18" target="_blank">[18]).
وجاء في كتاب الحاوي"...والأحكام تنقسم فيه التحكيم ثلاثة أقسام:
قسم يجوز فيه التحكيم،وهو حقوق المال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العفو والإبراء وقسم لا يجوز فيه التحكيم،وهو ما اختص القضاة بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى،والولايات على الأيتام،وإيقاع الحجز على مستحقيه،وقسم مختلف فيه،وهو أربعة أحكام؛النكاح،واللعان والقذف والقصاص .." (#_ftn19" target="_blank">[19]).

رابعا:المذهب الحنبلي
اختلف المذهب الحنبلي فيما يصلح أن يكون موضوعا للتحكيم وما لا يصح التحكيم فيه إلى أربعة اتجاهات هي الآتي:

الاتجاه الأول:التحكيم جائز في كل أمر يجوز فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه من الأموال والحدود واللعان وغيرها،وهذا هو المذهب(#_ftn20" target="_blank">[20]).
جاء في غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى:"وإن حَكّمَ اثنان فأكثر بينهما شخصا صالحا للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه حتى في الدماء والحدود والنكاح واللعان"(#_ftn21" target="_blank">[21])
وجاء في كشاف القناع عن حكم المحكم:"..نفذ حكمه في المال والقصاص والحد واللعان وغيرها حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام"(#_ftn22" target="_blank">[22]).
الاتجاه الثاني:يجوز التحكيم في كل أمر إلا في النكاح واللعان،والقصاص وحد القذف،ويرجع السبب في هذا الاستثناء،لأن هذه الأشياء مما يختص بها الإمام أو

نائبه القاضي بما له من ولاية عامة في نظرها(#_ftn23" target="_blank">[23]).
جاء في المغني:"قال القاضي:وينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام،إلا أربعة أشياء النكاح واللعان والقذف والقصاص؛لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها، فاختص الأمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه"(#_ftn24" target="_blank">[24]) .
الاتجاه الثالث:التحكيم جائز في كل شيء إلا في الفروج(#_ftn25" target="_blank">[25]).
قال ابن مفلح"وظاهر كلامه(#_ftn26" target="_blank">[26])ينفذ-أي التحكيم-في غير فرج"(#_ftn27" target="_blank">[27]).
الاتجاه الرابع:التحكيم جائز في الأموال فقط.
جاء في المقنع"وقال القاضيلا ينفذ إلا في الأموال خاصة"(#_ftn28" target="_blank">[28]).
ثانيا:دراسة تحليله لاجتهادات الفقهاء حول محل التحكيم:
بدراسة الآراء الفقهية حول محل التحكيم نجد أنها ما بين مجيز ومانع على حسب كل مسألة،ومحل التحكيم الذي ناقشه العلماء لا يخرج عن الآتي:
أ-المسائل المالية.
ب-الحدود.
ج-القصاص.
د-المسائل المتعلقة بالأسرة من طلاق ونكاح ولعان.
فقد اختلف أصحاب المذهب الواحد فيما بينهم،كما مر بنا سابقا في محل التحكيم.
وقد وضع ابن العربي ضابطا فيما يجوز التحكيم فيه وما لا يجوز التحكيم فيه وهو أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ حكم المحكم به(#_ftn29" target="_blank">[29]).
وهناك من الفقهاء من وضع ضابطا آخر،وذلك بحسب تعلق محل التحكيم بحق الله تعالى أو متعلقه بالغير، فالمسائل التي لا يجوز التحكيم هي المتعلقة بحق الله تعالى كالحدود كالزنا والردة والقتل والطلاق،كما لا يجوز التحكيم في الحقوق المتعلقة بالغير-للآدمي-وليس بالمحتكمين كاللعان والولاء لشخص على آخر والنسب كإثباته أو نفيه(#_ftn30" target="_blank">[30]).
فبناء على هذين الضابطين فإن محل التحكيم إذا كان متعلقًا بحق الله فإن التحكيم لا يجوز،أما إذا كان متعلقا بحقوق الآدميين فإن اللجوء إلى التحكيم أمر مشروع وجائز.

أما التفرقة بين حق الله تعالى وحق الآدمي فإن العلماء قد وضعوا ضابطا لما هو حق لله عز وجل وما هو للآدمي.
فضابط حق الله تعالى،هو ما لا يجوز الصلح فيه ولا يجوز إسقاطه ولا المعاوضة عنه كالحدود والكفارات والزكوات ونحوها.
أما ضابط حق الآدمي فهو ما يملكه الآدمي من حقوق وهي ما يجوز الصلح فيه،والإسقاط والمعاوضة عنه،كالأموال والطلاق والعتاق والنكاح (#_ftn31" target="_blank">[31]).
وقد علل القرافي السبب في عدم جواز التحكيم في حقوق الله تعالى بقوله:"لقصور ولايته-أي المحكم- وهذه-أي حقوق الله تعالى-أمور عظيمة،تحتاج إلى أهلية عظيمة"(#_ftn32" target="_blank">[32]).
فما يجوز التحكيم فيه وما لا يجوز التحكيم فيه مبني على قاعدةتأصيل التحكيم في العقود الإدارية من لدى فقهاء المسلمينما بني على الدرء والاحتياط لا يجوز فيه التحكيم)؛"أي أن ما بني على الدرء والاحتياط كالحد، والقصاص لا يجوز فيه التحكيم؛لأن هذه من الأمور الخطيرة التي تحتاج إلى الدقة في البحث والتحقيق وخبرة وطول مراس في القضاء"(#_ftn33" target="_blank">[33]).
وقد نص مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة بقرار رقم 95/8/9على أنه" لا يجوز التحكيم في كل ما هو حق الله تعالى كالحدود ولا فيما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممن له ولاية علية كاللعان...". (#_ftn34" target="_blank">[34]).
إلا أنه من المسائل التي لم يحدث فيه خلاف بين الفقهاء حول محل التحكيم المنازعات المالية.
فهناك اتفاق بين العلماء على جواز أن تكون المنازعات المالية محلا للتحكيم، فالتحكيم في الأموال باتفاق الفقهاء جائز(#_ftn35" target="_blank">[35]).
فالدعاوى المالية تعتبر قاعدة عامة تحدد الدائرة التي لا يجوز أن تخرج عنها موضوعات منازعات التحكيم،فجميع الدعاوى المالية المتعلقة بحقوق الناس تخضع للتحكيم(#_ftn36" target="_blank">[36]).
ويعتبر المذهب الشافعي التحكيم في المنازعات المالية هو الأصل(#_ftn37" target="_blank">[37])،وجاء في تبصره الحكام:"أن الخصمين إذا حكَّمَا بينهما رجلاً وارتضياه لأَنَ يحكم بينهما،فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها"(#_ftn38" target="_blank">[38])،ويقول ابن فرحون:"التحكيم جائز في الأموال وما في معناها،والمحكم لا يقيم حدا ولا لعانا ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب"(#_ftn39" target="_blank">[39])
وقد نصت المادة 1841 من مجلة الأحكام العدلية على أنه:"يجوز التحكيم في دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس"(#_ftn40" target="_blank">[40]).
من خلال ما سبق من اجتهادات الفقهاء حول محل التحكيم،فإنه بالنظر إلى محل التحكيم في منازعات العقود الإدارية،نجد أن طبيعة العقود الإدارية تندرج تحت المسائل المالية.
فالجهة الإدارية عند إبرامها للعقد الإداري فإن هناك استفادة مادية تعود لها وللمتعاقد معها.
فعند النظر في بعض صور العقود الإدارية،نجد مثلا في عقد الامتياز هناك فائدة مالية تعود للجهة الإدارية من خلال المقابل التي ستتقاضاه من الملتزم،كما أن هناك فائدة تعود على المتعاقد معها تتمثل بالمقابل الذي يتقاضاه من المستفيدين من المرفق العام،فمحل عقد الامتياز مالي.
وكذلك في عقود إنشاءات المرافق العامة فإن هناك أيضا فائدة للجهة الإدارية بالاستفادة من خبرة المتعاقد معها،وبالمقابل هناك فائدة تعود على المتعاقد معها،وذلك بالمقابل المالي الذي سيتقاضاه من قيامه بإنشاء المشروع،فمحل عقد الإنشاءات أيضا مالي.
وكذلك يتضح من عقد المساهمة في مشروع عام أنه عقد إداري ذو طبيعة مالية،فالمساهم بالمشروع يقدم للجهة الإدارية التبرع المالي فهناك فائدة مالية تعود إلى الجهة الإدارية، فعقد المساهمة في مشروع عام محله أيضا مالي.
وكذلك الحال في بقية صور العقود الإداريةفالغالب أن طبيعتها طبيعة مالية.
وبالتالي فإن محل التحكيم في العقود الإدارية من المسائل التي لم يدخل فيها الخلاف بين الفقهاء، والتي هي محل اتفاق بينهم،فاللجوء إلى التحكيم في المنازعات الناشئة بخصوصها يعتبر أمرًا جائزًا ومشروعًا في الفقه الإسلامي.