تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم

في هذا المطلب سأذكر،إن شاء الله،التأصيل للتحكيم في العقود الإدارية من التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
بعد البحث لم أجد إلا تطبيقين يمكن أن أستدل بهما كأصل للتحكيم في العقود الإدارية،هما للخليفتين الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنهوعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أولاً: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من التطبيق العملي لعمر بن الخطاب
دخول الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحكيم بخصوص نزع ملكية للمنفعة العامة.
اخرج ابن سعد(#_ftn1" target="_blank">[1])عن سالم بن النضر رضي الله عنه قال:"لما كثر المسلمون في عهد عمر،رضي الله عنه،ضاق بهم المسجد،فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العبـاس بن عبد المطلب وحجر أمهـات المؤمنين،فـقال عمر للعباس:يا أبا
الفضل:إن مسجد رسول الله eقد ضاق بهم،وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع بها على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين،أما حجر
أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها،وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم"،فقال العباس رضي الله عنه:ما كنت لأفعل،فقال عمر :"اختر مني أحدى ثلاث: أما أن تبيعينها بما شئت من بيت مال المسلمين،وأما إن أحطك حيث شئت من المدينة وأبيتها من بيت مال المسلمين،وأما تصدق بها على المسلمين فيوسع بها في مسجدهم،قال:لا ولا واحدة منها"،فقال عمر رضي الله عنه:"اجعل بيني وبينك من شئت،فقال: أبيّ بن كعب رضي الله عنه فانطلقا إلى أبيّ فقصا عليه القصة ...".
وجه الاستدلال:
قول عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه "اجعل بيني وبينك من شئت" فهذا يعتبر تحكيم عرضه الفاروق رضي الله عنه،على العباس رضي الله عنه عم رسول اللهe بخصوص نزع بيته للمصلحة العامة،وهي توسعة مسجد رسول الله e،وتعيين الصحابي أبيّ بن كعب رضي الله عنه،محكم في هذه الدعوى.
هذه الواقعة كانت بمشهد من الصحابة رضوان الله عليهم،و بخصوص مصلحة عامة، لا يتصور عدم علم الصحابة بهذا التحكيم، فكان إجماعا منهم رضوان الله عليهم ، وبالتالي فإن هذا التحكيم الذي كانت الدولة طرفا فيه مشروع وجائز.
فإذا كان هذا التحكيم طرفه الدولة الإسلامية (الإدارة)،وبخصوص منازعة إدارية (نزع الملكية للمنفعة العامة) قد أخذ به عمر رضي الله عنه والصحابة رضوان الله عليهم.
فبناء على ذلك يكون لجوء الإدارة في منازعات العقود الإدارية إلى التحكيم أمراً مشروعاً وجائزاً باعتبار أن منازعة العقود الإدارية من المنازعات الإدارية.

ثانيا:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من التطبيق العملي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (#_ftn2" target="_blank">[2])
التحكيم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهأثر معركة صفين.
بعد أن احتدم القتال أياماً في معركة صفين التي جرت بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما أمر معاوية رضي الله عنه، جنده أن يرفعوا المصاحف على الرماح حتى يكفوا عن الحرب.
فقال علي رضي الله عنه:"ما هذه إلا خديعة ودهاء ومكيدة"، فطلب منه أصحابه أن يستجيب لهم.

فأرسل رضي الله عنه الأشعث بن قيس إلى معاوية رضي الله عنه يستطلع رأيه فقال معاوية:"لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل في كتابه تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث رجلاً،ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدُوانه،ثم نتبع ما اتفقا عليه".
بعد ذلك تم اختيار أبا موسى الأشعري رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه،وعمرو بن العاص رضي الله عنه عن معاوية رضي الله عنه.
وجه الاستدلال:
أن الصحابة رضوان الله عليهم،رأوا جواز أن تدخل الدولة الإسلامية طرفا في التحكيم،وأن التحكيم لا يقتصر فقط على منازعات الأفراد فقط.
وبالتالي فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم،رأوا جواز ذلك وأخذوا به في أمر مهم وخطير يمس كيان الأمة ،فالتحكيم في منازعات العقود الإدارية،والتي هي اقل أهمية مما قبل به الصحابة التحكيم فيه في هذه الواقعة يكون أمراً جائزاً ومشروعاً.
قال الماوردي:"ولأنه لما حكم علي بن أبي طالب في الإمامة كان التحكيم فيما عداها أولى"