تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي لدى الفقهاء
في كون طرف التحكيم جهة إدارية

ذكر الفقهاء هذه المسالة تحت مسألة أطراف التحكيم،فقد ذكروا شروط المُحَكِّم(#_ftn1" target="_blank">[1]) من عقل وحرية وإسلام وغيرها(#_ftn2" target="_blank">[2]).
وقد انصب بحث الفقهاء على ما إذا كان طرف التحكيم شخصاً طبيعياً،إلا أنهم لم يذكروا حالة إذا كانت الدولة طرفاً في التحكيم.
ولعل ذلك راجع إلى أن الفقهاء بحثوا ما كان هو واقع الحال في زمانهم حيث إن غالبية أو كل القضايا التحكيمية كانت منصبة على الأفراد،أما ما يتعلق بالدولة أو الجهات الإدارية فإنه نادرة وربما تكون منعدمة.
إلا إن هناك عدة مسائل ذكرها الفقهاء حول كون الدولة طرفاً في التحكيم، فقد نصوا على أن لولي الأمر إذا رأى أن يجري التحكيم في حرب،لمصلحة عامه،فإن
ذلك جائز، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(#_ftn3" target="_blank">[3]).

جاء في روضة الطالبين:"لو حاصرنا قلعة،فنزل أهلها على حكم الإمام أو حكم رجل عدل في الشهادة عارف بمصالح الحرب قد اختاروه،جاز" (#_ftn4" target="_blank">[4]).
فهذه الصورة تبين أن الفقهاء يرون مشروعية أن تكون الدولة طرفاً في التحكيم.
وهذا في نظري لا يقتصر على حالة الحرب فقط،وإنما على جميع المنازعات بضابط وجود المصلحة العامة-كما سيأتي بيانه أن شاء الله-ويدخل في هذه المنازعات التي طرفها الدولة منازعات العقود الإدارية.
وقد ذكر الفقهاء صورة أخرى في كون الدولة طرفًا في التحكيم،وهي أنه لا يجوز للحاكم أن يصالح على اقل من الدية إذا لم يكن للمقتول ولي أو أولياء؛ لأن الحق لكل المسلمين،والقاعدة الفقهية تقول تصرف الإمام منوط بمصلحة الرعية(#_ftn5" target="_blank">[5]).
فيفهم من هذه المسالة أن الفقهاء لما منعوا ولي الأمر باعتباره ممثلا للدولة من إبرام المصالحة،والتي منها التحكيم،على اقل من الدية،في حالة إذا لم يكن للمقتول ولي أو أولياء مراعاة لمصلحة الجماعة وتغليبا لها،فإن مفهوم المخالفة أنه يجوز للدولة دخولها طرفا في التحكيم في المسائل الأخرى بشرط المصلحة العامة،فإذا تم التحكيم من قبل الجهات الإدارية بخصوص منازعة عقد إداري؛فإن ذلك مشروع لأنه يتعلق بمصلحة عامة.
كما أن الماوردي عندما تحدث في الأحكام السلطانية(#_ftn6" target="_blank">[6])عند دور ناظر المظالم باعتباره المختص بنظر الدعاوى الإدارية والتي منها منازعات العقود الإدارية،قال إن له:"رد الخصوم إذا أعضلوا إلى وساطة الأمناء ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراض وليس للقاضي ذلك إلا عن رضا الخصمين بالرد".
فهذا النص يبين أن لقاضي المظالم إذا كانت لدية قضية منازعة عقد إداري،ولم يستطع أنهاء النزاع بالتوفيق بين الجهة الإدارية والمتعاقد معها،فإن له أن يعرض التحكيم على الطرفين المتنازعين بواسطة الأمناء الذين يمثلون هيئة تحكيم(#_ftn7" target="_blank">[7]).
ولو كان دخول الدولة طرفا في التحكيم في الدعاوى الإدارية والتي منها منازعات العقود الإدارية غير مشروع،لما عرضه قاضي المظالم عليها وعلى الطرف المتنازع معها في الدعاوى التي تقام أمامه.
وبالتالي فإن الفقه الإسلامي من خلال اجتهادات الفقهاء في طرف التحكيم لا يرى أي محظور في دخول الجهة الإدارية طرفا في التحكيم،مما يجعل للجوء الجهات الإدارية لفض المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية باعتبارها طرف في التحكيم،أمرًا جائزًا ومشروعًا.