النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مقال : الحب لا .. الرحمة نعم - الدكتور مصطفى محمود

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    3,109
    صفحة الفيس بوك
    صفحة الفيسبوك لـ أحمد نبيل فرحات

    مقال : الحب لا .. الرحمة نعم - الدكتور مصطفى محمود

    بالرغم من قيمة مشاعر الحب عندي و عندكم معاشر القراء و القارئات ، و بالرغم من أن الحب يكاد يكون صنم هذا العصر الذي يُحرق له البخور ، و يُقدم له الشباب القرابين من دمائهم ، و يُقدم له الشيوخ القرابين من سمعتهم ، و تُرتل له الأناشيد ، و يُزمر له الزامر ، و يُطبل الطبال ، و ترقص الراقصة ، و تعمل بلاتوهات السينما و ستوديوهات التليفزيون ، و كباريهات شارع الهرم ليل نهار لتمجيده و رفعه على العرش ، ليكون المعبود الأول و المقصود الأول ، و الشاغل الأوحد و الهدف الأوحد و الغاية المثلى للحياة التي بدونها لا تكون الحياة حياة .

    و بالرغم من أننا جميعا جناة أو ضحايا لهذا الحب ، و ليس فينا إلا من أصابه جرح أو سهم أو حرق ، أو أصاب غيره بجرح أو سهم أو حرق .

    بالرغم من هذه الأهمية القصوى ، و الصدارة المطلقة لموضوع الحب في هذا الزمان ، فإني أستأذنكم في إعادة نظر و في وقفة تأمل ، و في محاولة فهم لهذا التيه الذي نتيه فيه جميعا شيوخا و شبابا و صبايا .

    و أسأل نفسي أولا و أسألكم :

    هل تعلمون لماذا يرتبط الحب دائما بالألم ، و لماذا ينتهي بالدموع و خيبة الآمال ؟!

    دعوني أحاول الإجابة فأقول : إن الحب و الرغبة قرينان .. و إنه لا يمكن أن تحب امرأة دون أن ترغبها ، و لهذا ما تلبث نسمات الحب الرفافة الحنون أن تمازج الدم و اللحم ، و الجبلة البشرية فتتحول إلى ريح و إعصار و زوبعة ، حيث ينصهر اللحم و العظم في أتون من الشهوة العارمة ، و اللذة الوقتية التي ما تكاد تشتعل حتى تنطفئ .

    هل أقول إن الحب يتضمن قسوة خفية ، و عدوانا مستترا ؟.

    نعم هو كذلك إذا اصطبغ بالشهوة ، و هو لابد أن يتلون بالشهوة بحكم البشرية .

    و المرأة التي تشعر أن الرجل استولى على روحها ، تحاول هي الأخرى أن تنزع روحه و تستولي عليها .. و في ذلك عدوان خفي متبادل، و إن كان يأخذ شكل الحب.

    و المرة الوحيدة التي جاء فيها ذكر الحب في القرآن هي قصة امرأة العزيز التي شغفها فتاها ( يوسف ) حبّا.

    فماذا فعلت امرأة العزيز حينما تعفف يوسف الصدّيق؟ و ماذا فعلت حينما دخل عليهما الزوج؟ لقد طالبت بإيداع يوسف السجن و تعذيبه.

    (( قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) )) ( يوسف )

    و ماذا قالت لصاحباتها و هي تروي قصة حبها؟

    (( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) )) ( يوسف )

    إن عنف حبها اقترن عندها بالقسوة و السجن و التعذيب.

    و ماذا قال يوسف الصدّيق؟

    (( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (33) )) ( يوسف )

    لأنه أدرك ببصيرته أن الحب سجن، و أن الشهوة قيد إذا استسلم له الرجل أطبق على عنقه حتى الموت.. و رأى أن مكثه في السجن عدة سنوات، أرحم من الخضوع للشهوة التي هي سجن مؤبد إلى آخر الحياة.

    إن الحب لا يظل حبا صافيا رفافا شفافا، و إنما ما يلبث بحكم الجبلة البشرية أن يصبح جزءا من ثالوث هو: الحب و الجنس و القسوة، و هو ثالوث متلاحم يقترن بعضه ببعض على الدوام.

    و لأن قصة الحب التي خالطتها الشهوة ما تلبث أن تنتهي إلى الإشباع في دقائق، ثم بعد ذلك يأتي التعب و الملل و الرغبة عند الإثنين في تغيير الطبق، و تجديد الصنف لإشعال الشهوة و الفضول من جديد.. لهذا ما يلبث أن يتداعى الحب إلى شك في كل طرف من غدر الطرف الآخر.. و هذا بدوره يؤدي إلى مزيد من الارتياب و التربص و القسوة و الغيرة، و هكذا يتحول الحب إلى تعاسة و آلام و دموع و تجريح.

    و الحب لا يكاد ينفك أبدا عن هذا الثالوث.. (( الحب و الجنس و القسوة )).. و هو لهذا مقضى عليه بالإحباط و خيبة الأمل، و محكوم عليه بالتقلب من الضد إلى الضد، و من النقيض إلى النقيض.. فيرتد الحب عداوة و ينقلب كراهية و تنتحر العواطف كل يوم مائة مرة.. و ذلك هو عين العذاب.

    و لهذا لا يصلح هذا الثالوث أن يكون أساسا لزواج.. و لا يصلح لبناء البيوت، و لا يصلح لإقامة الوشائج الثابتة بين الجنسين.

    و من دلائل عظمة القرآن و إعجازه أنه حينما ذكر الزواج، لم يذكر الحب و إنما ذكر المودة و الرحمة و السكن.

    سكن النفوس بعضها إلى بعض.
    و راحة النفوس بعضها إلى بعض.
    و قيام الرحمة و ليس الحب.. و المودة و ليس الشهوة.

    (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً )) ( الروم – 21 )

    إنها الرحمة و المودة.. مفتاح البيوت.

    و الرحمة تحتوي على الحب بالضرورة.. و الحب لا يشتمل على الرحمة، بل يكاد بالشهوة أن ينقلب عدوانا.

    و الرحمة أعمق من الحب و أصفى و أطهر.
    و الرحمة عاطفة إنسانية راقية مركبة، ففيها الحب، و فيها التضحية، و فيها إنكار الذات، و فيها التسامح، و فيها العطف، و فيها العفو، و فيها الكرم.

    و كلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية.
    و قليل منا هم القادرون على الرحمة.
    و بين ألف حبيبة هناك واحدة يمكن أن ترحم، و الباقي طالبات هوى و نشوة و لذة.

    و لذلك جاء كتاب الحكمة الأزلية الذي تنزل علينا من الحق.. يذكرنا عند الزواج بالرحمة و المودة و السكن.. و لم يذكر كلمة واحدة عن الحب، محطما بذلك صنم العصر و معبوده الأول، كما حطم أصنام الكعبة من قديم.

    و الذين خبروا الحياة و باشروا حلوها و مرّها، و تمرسوا بالنساء يعرفون مدى عمق و أصالة و صدق هذه الكلمات المنزلة.

    و ليس في هذه الكلمات مصادرة للحب، أو إلغاء للشهوة و إنما هي توكيد، و بيان بأن ممارسة الحب و الشهوة بدون إطار من الرحمة و المودة و الشرعية هو عبث لابد أن ينتهي إلى الإحباط.

    و الحيوانات تمارس الحب و الشهوة و تتبادل الغزل.
    و إنما الإنسان وحده هو الذي امتاز بهذا الإطار من المودة و الرحمة و الرأفة، لأنه هو وحده الذي استطاع أن يستعلي على شهواته؛ فيصوم و هو جائع و يتعفف و هو مشتاق.

    و الرحمة ليست ضعفا و إنما هي غاية القوة، لأنها استعلاء على الحيوانية و البهيمية و الظلمة الشهوانية.

    الرحمة هي النور و الشهوة هي النار.
    و أهل الرحمة هم أهل النور و الصفاء و البهاء، و هم الوجهاء حقا.

    و القسوة جبن و الرحمة شجاعة.
    و لا يؤتى الرحمة إلا كل شجاع كريم نبيل.
    و لا يشتغل بالانتقام و التنكيل إلا أهل الصغار و الخسة و الوضاعة.
    و الرحمة هي خاتم الجنة على جباه السعداء الموعودين من أهل الأرض.. تعرفهم بسيماهم و سمتهم و وضاءتهم.

    و علامة الرحيم هي الهدوء و السكينة و السماحة، و رحابة الصدر، و الحلم و الوداعة و الصبر و التريث، و مراجعة النفس قبل الاندفاع في ردود الأفعال، و عدم التهالك على الحظوظ العاجلة و المنافع الشخصية، و التنزه عن الغل و ضبط الشهوة، و طول التفكير و حب الصمت و الائتناس بالخلوة و عدم الوحشة من التوحد، لأن الرحيم له من داخله نور يؤنسه، و لأنه في حوار دائم مع الحق، و في بسطة دائمة مع الخلق.

    و الرحماء قليلون، و هم أركان الدنيا و أوتادها التي يحفظ بها الله الأرض و من عليها.
    و لا تقوم القيامة إلا حينما تنفد الرحمة من القلوب، و يتفشى الغلّ، و تسود المادية الغليظة، و تنفرد الشهوات بمصير الناس، فينهار بنيان الأرض و تتهدم هياكلها من القواعد.

    اللهم إني أسألك رحمة..
    اللهم إني أسألك مودة تدوم..
    اللهم إني أسألك سكنا عطوفا و قلبا طيبا..
    اللهم لا رحمة إلا بك و منك و إليك..


    ( بتصرف )

    المصدر : كتاب (( عصر القرود ))
    للدكتور مصطفى محمود
    أَسأل اللهَ عز وجل أن يهدي بهذه التبصرةِ خلقاً كثيراً من عباده، وأن يجعل فيها عوناً لعباده الصالحين المشتاقين، وأن يُثقل بفضله ورحمته بها يوم الحساب ميزاني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأنا سائلٌ أخاً/أختاً انتفع بشيء مما فيها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى رب العالمين اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.



    "وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاِّ بالله العزيز الحكيم"

  2. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ أحمد نبيل فرحات على المشاركة المفيدة:

    امل90 (15/11/2011), عدنان العبيدي (12/11/2011)

  3. #2
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    العراق
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    44

    رد: مقال : الحب لا .. الرحمة نعم - الدكتور مصطفى محمود

    بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء ودمتم ودام حديثكم ومشاركاتكم الطيبة والجميلة .

  4. #3
    الصورة الرمزية امل90
    امل90 غير متواجد حالياً مبدع
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    اليمن
    مجال العمل
    موارد بشرية
    المشاركات
    205

    رد: مقال : الحب لا .. الرحمة نعم - الدكتور مصطفى محمود

    رائعة جداً..جزاك الله خيراً

موضوعات ذات علاقة
مقال : الابتهال - الدكتور مصطفى محمود
إلهي.. يا منبع جميع الأنوار ترى من نحب حينما ننظر إلى بعضنا البعض..؟! و هل نحب إلا نورك أنت و أثر يديك على الصلصال و هل يسكرنا إلا نفخة روحك التي نفختها... (مشاركات: 1)

مقال : الصلاة - الدكتور مصطفى محمود
آخر صيحة في أمريكا الآن موضة جديدة اسمها ( Transendental Meditation ) و ترجمتها الحرفية هي الاستغراق التأملي المتجرد .. و هي موضة وافدة من الهند و بدعة من بدع... (مشاركات: 1)

مقال : الحب القديم - الدكتور مصطفى محمود
الناس يفهمون الدين على أنه مجموعة الأوامر و النواهي و لوائح العقاب و حدود الحرام و الحلال.. و كلها من شئون الدنيا.. أما الدين فشيء آخر أعمق و أشمل و أبعد. ... (مشاركات: 0)

مقال : لا شيء يساوي الحرية - الدكتور مصطفى محمود
حينما رفع النبي يوسف أكف الدعاء لربه مستنجداً من غواية النسوة قائلاً: ( رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ). كان يطلب حريةً و لم يكن يطلب سجناً. و... (مشاركات: 0)

مقال : الحب - الدكتور مصطفى محمود
الحب و الهوى و الغرام خداع ألوان ، ما نراه في المحبوبة مثلما نراه في قوس قزح ، جمال ألوان قوس قزح ليس من قوس قزح نفسه و لكنه من فعل نور الشمس على رذاذ المطر... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات