علمنا أن المسؤولية الجنائية تقع على الإنسان ويستبعد من سواه، فما الرأي بالنسبة للشخص المعنوي (الشركة)؟

من البديهي أن الشخص المعنوي لا يجرم بذاته، فلو افترضنا قيام المسؤولية الجنائية على الشخص المعنوي لا يجرم بذاته، فلو افترضنا قيام المسؤولية الجنائية على الشخص المعنوي فلا تستبعد المسؤولية عن ممثليه، أي المدير وأعضاء مجلس الإدارة، فهم الجناة الحقيقيون، فالإنسان هو الذي يرتكب الفعل وليس الشخص المعنوي (الشركة) وما يجب أن نبحثه بداية هل يصلح أن يكون الشخص المعنوي مجرما؟

في الحقيقة أن وقوع الجريمة من الشخص المعنوي أمر محال بغض النظر عن طبيعته حقيقي أو افتراضي(#_ftn1" target="_blank">[1])، فلهذا لا خلاف حول عدم صلاحية الشخص المعنوي بالنسبة لارتكاب الجريمة، فقد اتفق الفقهاء على استحالة وقوعها منه، وإنما الخلاف يثور حول مدى مساءلته.











هناك اتجاهان، أولهما يذهب إلى نفي المسؤولية، والآخر يعتقد بإمكانية وجودها، وسنحاول إبراز آراء كل من الاتجاهين.

الاتجاه الأول - نفي المسؤولية:
يقصد بنفي المسؤولية عن الشخص المعنوي عدم مساءلته جنائيا بإسناد أي فعل مجرم إلية، وإنما يكتفي بمساءلة ممثليه القانونيين. وذهب إلى هذا الرأي غالبية الفقه الجنائي العربي والراجح في فرنسا(#_ftn2" target="_blank">[2]) وأسبابهم هي:

1- إن التمييز والإدراك إلى جانب الاختيار أساس المسؤولية لا يمكن نسبتها إلى الشخص المعنوي لعدم امتلاكه الإدارة، فلهذا لا يستطيع أن يكون محلا للمسؤولية(#_ftn3" target="_blank">[3]).
2- إن الجريمة سلوك يصدر من الإنسان فلا يقع من الشخص المعنوي وإنما يسأل عنه ممثلوه.
3- إن الشخص المعنوي مجازا هو من صنع القانون لتحقيق هدف معين يجب أن يصل إلية تبعا لتخصصه، ويعد ارتكاب الجريمة من الشخص المعنوي خروجا على المبدأ وتجاوزا من جانب الشخص المعنوي حتى ولو افترضنا إمكانية حدوثه منه(#_ftn4" target="_blank">[4]).
4- التسليم بمسؤولية الشخص المعنوي يعد خروجا عن مبادئ القانون الجنائي وخاصة مبدأ شخصية العقوبة، لأن أثر هذه العقوبة سينصرف إلى المساهمين أو الشركاء في شركات الأشخاص رغم عدم اشتراكهم من الناحية الفعلية في ارتكاب الفعل المؤثم، بمعني أن ممثل الشخص المعنوي أي مدير الشركة هو المرتكب للجريمة أو أحد الموظفين حتى ولو كان التصرف باسم الشركة، فإن توقيع العقاب على هذا الأخير يؤدي إلى إهدار لمبدأ شخصية العقوبة لأن ذلك يؤدي إلى امتداد العقاب إلى أشخاص عن أفعال ارتكبها غيرهم(#_ftn5" target="_blank">[5]).
5- كما أن إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يؤدي إلى ازدواج العقوبة على فعل واحد، لأن معاقبة ممثل الشخص الاعتباري لارتكابه الفعل المؤثم لا يمنع من معاقبة الشخص الاعتباري عن ذات الفعل، أي توقيع العقاب مرتين عن فعل واحد، الأمر الذي يتعارض مع قاعدة تفريد العقاب(#_ftn6" target="_blank">[6]).

الاتجاه الثاني- إثبات المسؤولية:

ويذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن الشخص المعنوي يكتسب الحقوق ويتحمل الالتزامات ويرتكب الجرائم ويتحمل العقوبات، ومن الدول التي أخذت بها (قانون ولاية نيويورك الصادر في ديسمبر 1782(#_ftn7" target="_blank">[7]) وهم يستندون في ذلك إلى أسس فلسفية واجتماعية، ويردون على الذين انتقدهم أى الذين ينفوا المسؤولية عن الشخص الاعتباري، بالمبررات الآتية:
1- إن المؤتمرات التي انعقدت لهذا الأمر لم تصل إلى نتيجة حاسمة، مثل مؤتمر بوخارست سنة 1929 الذي انعقد في شأن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي وقد أوصي ذلك المؤتمر بأن "لا يسأل الشخص الاعتباري عن جريمة إلا في الأحوال التي يحددها القانون، وعندئذ يكون الجزاء الطبيعي هو الغرامة، وهو جزاء مستقل عن التدابير الأخرى كالحل والوقف وتعيين حارس، ومع ذلك يبقى ممثل الشخص الاعتباري مسؤولا عن الجريمة التي ارتكبها شخصيا"(#_ftn8" target="_blank">[8]).
2- إثبات الأهلية القانونية للشخص المعنوي:
إن الشخص المعنوي ليس فكرة من صنع المشرع ولكنه حقيقة قانونية مسلم بها، جرى القانون أن يعتد بها(#_ftn9" target="_blank">[9])، وغالبا ما تستند إلية جرائم مخالفة للقانون كالاختلاس وخيانة الأمانة.



3- وهناك عقوبات يمكن تطبيقها على الشخص المعنوي حيث إنه:
من أهم أهداف العقوبة الردع والوقاية وليس الإصلاح، ومن البديهي أن التهديد يؤثر في الشخص المعنوي ويمنعه من مخالفة القانون.

4- أما من ناحية الفرق بين المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ومبدأ شخصية العقوبة، فهناك قول يذهب إلى أن التسليم بمسؤولية الشخص المعنوي يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة، والرد علية أن العقوبة التي توقع على الشخص المعنوي لا تمتد آثارها إلى كافة الأعضاء وإنما تشمل العضو المشارك في ارتكاب الجريمة، كما تقع العقوبة على رأس مال الشركة بكامله، فإذا حدث ضرر لأعضائه فيكون الضرر غير مباشر فلا يؤثر على مبدأ شخصية العقوبة(#_ftn10" target="_blank">[10]).

5- إن العدل يتحتم أن تصيب العقوبة الشخص المعنوي في ماله نشاطه، فلو طبقت العقوبة على الشخص الطبيعي فقط الذي توافرت في فعله أركان الجريمة فلن يكن للعقوبة أثر الردع منها، وذلك لأنه من غير المعقول أن يكفي ثروته لتعويض الضرر، ولن يمنعه العقاب من تكرار العمل.