كنت منذ سنوات أقوم ببحث حول (التعصب) وهو موضوع كثيراً ما يشغلني بإعتباره مُحرك حقيقي للكثير من المشكلات الكبرى التي تتحول إلى أزمات إن لم يتم التعامل معها بطريقة جيدة ومهارة إدارية عالية ..
وأثناء بحثي هذا وكان عقب النتيجة التي عُرفت بـمباراة ( 6 /1 ) بين الأهلي والزمالك.. كنت أجمع علاقة (التعصب) بعدد من المتغيرات ، ولفت نظري وقتها (مفهوم) (الغضب) حين تناولته الدراسات بإعتباره أحد أشكال التعبير عن التعصب ، حيث يغضب الشخص لأجل ما يتعصب له..
وفي الحقيقة كانت التعريفات لمفهوم (الغضب) كثيرة ومتنوعة يدور معظمها حول أنه حالة إنفعالية شديدة تخرج من الشخص عند الشعور بضغط ما، أو وجود ما يتعارض مع قيمه ومعتقداته أو حينما يفقد أحد شروط وجوده في مكان ، أو حينما يخسر موقف ما ، أو غير ذلك
إلا أن التعريفات جميعاً إقتربت من مفهوم أن الغضب حالة إنفعالية ولكنها ربما أغلفت أن (الغضب) في أياً من المواقف إنما هو (طاقة) ، والطاقة تعني ببساطة .. (قوة دافعة).
ومن هنا (فالغضب) بإعتباره (طاقة) فهو قوة دافعة في أي إتجاه يميل الفرد إليه ، بمعنى أنك حين تغضب يمكن أن توجه (طاقتك) الغاضبة في تكسير أشياء حولك ، أو تحول (طاقتك) الغاضبة إلى سب الأخر المختلف ، أو تحول (طاقة) غضبك إلى نشاط زائد لتتخلص من (الطاقة) السلبية التي تكونت بداخلك نتيجة لموقف الضيق الذي تسبب في (الغضب)..
وهكذا .. كل الإنفعالات الكبرى هي في الحقيقة (طاقة) ، فالحب طاقة دافعة للأمام ، تجعلك تحرك كل ما بداخلك إلى تروس في دائرة حياة من تحب لتكون له بطاقتك قوة إضافية لقوته ، فيحقق ما لا يمكن أن يحققه وحده ، فنقول أنه لولا حب فلان لما كنا حققنا ، كذلك الكراهية – والعياذ بالله – هي أيضاً (طاقة) دافعة للخلف ، بحيث نحول كل ما لدينا من طاقة لكسر تروس عجلة حياته فتأخذه للخلف بدلاً من أن تحركه للأمام وإذا قست على ذلك كل الإنفعالات الكبرى فسوف تصل لنفس النتيجة إن الحكاية (طاقة) حتى في الحسد ، وفي تأثيرنا حتى على الأشياء المادية فإن ما يحركنا هو (طاقة) مشاعرنا وتوجهنا نحو هذا الشئ أو هذا الشخص .
وبهذا فنحن متفقون على أن (الغضب) (طاقة) ، بقي أن نتفق أيضاً على أن الطاقة كمفهوم أمر طيع ، بمعنى أنه رهن إشارتك ، رهن تأهيلك ، رهن تخطيطك ، فإما يحوله كل هذا إلى (طاقة) دافعة للأمام ، أو (طاقة) دافعة للخلف ، وأيضاً نفس الأشياء تحدث لكل الإنفعالات الكبرى التي وصفناها بأنها طاقة ، فحتى (الحب) قد يكون طاقة (دافعة للخلف) ألم نجد ما نطلق عليه (ومن الحب ما قتل) أو نرى حبيب يصيب من يحب بتشويه نفسي يبقى به طيلة حياته ، وغير ذلك من الأشكال التي توضح لنا إمكانية تبدل شكل هذه الطاقة ..
إذن .. إتفقنا على أمرين خلاصتهما أن (الغضب) قد يكون دافع (للأمام) وقد يكون دافع (للخلف) وفي الأيام التي تعيشها بلدنا الأن أرى أن الجميع من حولنا في حالة غضب حقيقية وبالطبع الأسباب مختلفة ربما بإختلاف البشر ، فحتى من يعبر عن أن له نفس الموقف ربما يختلف عن الأخر في نفس الموقف من حيث أولوية الدافع مثلاً أو حتى طبيعة الدافع الحقيقي وراء التحرك ، فلو أخذنا مثل بشباب الثورة التي نعيشها في بلادنا الأن فستجد دوافع مختلفة حتى لو كان في النهاية الدافع كله تحت عنوان (مصر أفضل) فمنهم من كان دافعه الأول للتواجد هو معاناه وجدها في الحصول على وظيفة ، ومنهم من كان دافعه الأول تأثر بحادث تعرض له شاب مثله ، ومنهم من كان دافعه الأول الخوف من المستقبل ... وهكذا ..
إلا أن القاسم المشترك بين هؤلاء هو (الغضب) تلك الطاقة الدافعة للأمام أو للخلف ، وإذا إعتبرنا أن غضب شباب الثورة الذين خرجوا في مظاهرات هي طاقة دافعة للأمام ، فإن علينا الإلتفات إلى أن هناك أشكال أخرى من الغضب الدافع للأمام يمكن أن نقوم به، وهنا أحاول أن أجيب على شاب سألني على صفحتي على موقع الفيس بوك ، ماذا يمكن أن أفعل بخلاف المظاهرات أو حتى بجانبها إن أنا قررت النزول ؟؟
جئت لأرد عليه ، وعلى غيره بأننا جميعاً شركاء في الغضب ، وأننا جميعاً مطالبون بأن نحوله إلى طاقة دافعة لأننا لا نملك لأنفسنا وطن غير وطننا ، حتى لو أعلنت العديد من الدول أنها لنا ومعنا ، فأنت تعلم أنك حين تكون لديهم لن تكون سوى مواطن من الدرجة الثانية، بدلاً من أن تطالب بحقك تحصل عليه بشروط..
جئت لأقول أن بعضنا اليوم وجميعنا غداً عليه أن يُحول طاقة غضبة إلى قوة إيجابية تدفعه للعمل على دفع وطنه لكل ما هو جيد ، وحتى أكون عملية في ردي ، سوف أحاول أن أضع أشكال بعض الممارسات التي يمكن أن نعبر من خلالها عن غضبنا ، وطاقتنا ومنها :
1- حول طاقتك الغاضبة مما يحدث في وطنك إلى التعرف على تاريخها لتفهم مستقبلها ، فقد تعلمنا أن التاريخ يعيد نفسه في كل الأمم ولو بأسماء مختلفة ، وبالتالي ففي معرفتك لتاريخ وطنك – الذي للأسف لا يعرفه الكثير من شبابنا – ستعرف أين بيت الداء وكيف يتكون وبالتالي ستكون جاهز للتعامل معه في المرات التالية .
2- حدد أعداء وطنك مهما تبدلت وجوههم ، أو تغيرات أشكال خطبهم ، لتعرف كيف تتعامل مع وطنك وأين يمكن أن توجه له ضربات من أعدائه تبعاً لمطامعهم .
3- حدد المفاهيم التي تضايقك في وطنك، ولنأخذ منها على سبيل المثال مفهوم (الفساد):
حاول أن تُعرفه وتضع له تعريف في شكل ممارسات ، وحدد كم مرة كنت أنت مصدر هذا الفساد ولو على مساحة صغير ، كم مرة أخذت حق غيرك حينما كان معك سلطة ، كم مرة تخطيت دورك حتى في طابور الخبز لأن الفران معرفة ، كم مرة لجأت لضابط شرطة ليقوم بعمل إستثناء لك على الأخرين، كم مرة طلبت أن بطلب أو خدمة مقابل تأدية واجبك، كم مرة غشيت في إمتحانك وأخذت درجات لا تستحقها ، كم مرة وكم مرة وكم مرة .. أليس كل هذا (فساد) وهل مصدره بأكمله من مراكز السلطة؟؟
4- حدد مرجعية ترجع لها وحاول أن تتعرف على جوانبها ، فإن كانت مرجعيتك ستكون القانون ، فتعرف عليه وحدد حقوقك ، وأيضاً واجباتك ، وإن كانت مرجعيتك الدين ، فتعرف عليه أيضاً بحيث تُرجع له كل سلوكياتك وتصرفاتك التالية.
5- إبحث في كل ما هو سلبي ويتم حولك ، وحاول أن توقفه أو على الأقل لا تنقله، فالكثير من المشكلات التي تعرصنا لها في الفترة الماضية كان بسبب إما سلبية البعض في عدم وقف ما يتم الإعلان عنه من شائعات أو المشاركة في نشرها دون تفكير.
6- إسعى أنت وغيرك إلى تكوين مجموعات داخل شارعك مثلاً لتكون بمثابة (جماعة) ضغط على سلوكيات من يقطنون معك في شارعك بإن نضع نظام لوضع القمامة ، نظام لوقوف السيارات ، قواعد لإقامة المناسبات التي قد تضر براحة الأخرين بوضع ضوابط للتوقيتات التي تنتهي فيها هذه المناسبات إن تمت في المنازل من حيث الصخب الذي تحدثه ويؤثر على الأخرين، قواعد تُنظم كل شئ في هذا المكان، مثل ما يحدث في مجلس إدارة العمارات التي تفرض علينا بعض القواعد يتم الإتفاق عليها ، هي ليست بقانون ولكن لها من السلطة نفس قوة القانون لأن الجميع إتفق عليها ، مع مراعاة ضوابط الأخلاقيات العامة في عرض هذه القواعد على الجيران وأن يقوم على اللجنة شخصين ذوي خبرة يعلموا الشباب في مجموعتكم.
7- جهز نفسك للفترة القادمة بأن تضع خطة لتغيير ما نتج عن مراجعتك للنقطة (3) الأشياء التي وجدت نفسك متورط فيها ، وأيضاً جزء من الخطة لتنمية مهاراتك لتكون الإنسان المناسب للمرحلة القادمة.
هذه بعض أشكال تحول الغضب إلى (طاقة إيجابية) تدفع بك إلى الأمام ، وتدفع بوطنك إلى الأمام، فالجميل أن شبابنا قد أدرك خلال الأيام القليلة الماضية مفهوم القوات المسلحة المصرية الذي يلخصونه في شعارهم ( يد تبني ويد تحمل السلاح) فقد عرف الشباب أن دور بعضهم هو الوجود في التحرير وبعضهم حماية البيوت ..
إلا أنني أتحدث عن فكرة أبعد من ذلك كنت قد أشرت عليها دون تفصيل في مقالي السابق عن أنك أيضاً يجب أن تتغير وليس النظام وحده ، فالخلل فينا جميعاً ، وبالتالي لن يكون العلاج سوى فينا جميعاً ، وكما قلت وأكرر ، إنتهزوا الفرصة وإبدأوا في وضع الخطط لبداية جديدة في علاقتكم بوطنكم ، الذي لن ينصلح سوى بما ستجزون أنفسكم به ، ولنحول كل ما بداخلنا إلى (غضب) فعال ، غضب دافع على التغيير للأفضل ، غضب يبدأ من غضبنا من أنفسنا ، لتكون البداية من عندنا أو حتى تتوازى خطوات تغييرنا لأنفسنا مع تغيير ما نصب عليه جل غضبنا الأن.
أرجو من الله ألا نتوقف عند حد العاطفة كشق من طاقة الغضب ، فنتحرك بأحب وأكره ، ونتحرك بين إما هذا السلوك وحده أو لا شئ ، فهذا لا يمكن أن يصل بنا إلى ما نريد ويكون التغيير الذي نطلبه مجرد تغيير في الأسماء ذهب فلان وجاء فلان الأخر ، فأن لم نعد أنفسنا ثقافياً وأخلاقياً ودينياً وفكرياً وإجتماعياً ، لن نختار الشخص المناسب أبداً وستكون الغلبة لمن يستطيع أن يستحوذ على عواطفنا أو يُظهر لنا ما نعتبر أنفسنا حُرمنا منه فيعطيني إياه ، ولا نملك وقتها أن نميز مدى كفايته ببساطة لأننا كما نحن لم نتغير بما يجب فيظل الموظف الذي إعتاد الرشوة يقوم بذلك ، ويظل المواطن الذي إعتاد أن يدفع يقوم بذلك ، ويظل من له سلطة يستخدمها ، وتظل الحقوق رهينة القوة ..
إذن فالبداية عندنا .. إذن فأهلاً بالغضب إن كان سيحول طاقتنا إلى قوة دافعة لحياتنا في إتجاه الإحترام والعدالة والحق والرحمة والتسامح وحفظ الأخر وحقوقه وإحترام الإختلاف وغيرها ..
فإذا كانوا يغيرون لنا دستور بلادنا اليوم بعد ثورتنا عليه ، فلنثور على أنفسنا لنغير نحن دستور حياتنا ليتم الإصلاح الحقيقي إن كنا بالفعل نريد أكثر من مجرد تغيير أسماء .

المصدر:
http://www.3ain3alabokra.com/article-586.html