حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء القرارات التحكيمية

يعتبر النـزاع الحاصل بين المملكة العربية السعودية وشركة أرامكو من أوائل القرارات التحكيمية الصادرة في منازعة عقد إداري.
وتتلخص وقائع هذا النزاع أنه في 25/مايو/1933م أبرمت حكومة المملكة العربية السعودية مع شركة استندراد اتفاقا باستغلال البترول يخول هذه الأخيرة امتيازا مدته ستون عاما في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.
وإعمالا لنص المادة 32 من عقد الامتياز المبرم بين الطرفين تم إنشاء شركة كاسكو التي تنازلت لها الشركة الموقعة عن كافة الحقوق والامتيازات الناجمة عن عقد الامتياز ووافقت الحكومة السعودية على هذا التنازل.
وفي 31 يناير 1944م غيرت الشركة اسمها من كاسكو إلى شركة أرامكو.
في 20 يناير 1954م أبرمت حكومة المملكة العربية السعودية اتفاقاً مع مجموعة شركات أوناسيس على أن يؤسس شركة خاصة تحمل اسم شركة ناقلات البـحرية السعـودية ويطلق عليهـا شركة (ساتكو) ويتم رفع العلم السعودي


عليها،وتقوم هذه الشركة بنقل البترول السعودي من موانئ السعودية في الخليج العربي لأي من موانيها على البحر الأحمر.
تضمن العقد المبرم بينهما أن لشركة (ساتكو) حق الأفضلية في شحن البترول ومنتجاته المصدرة عن طريق البحر من السعودية إلى الدول الأجنبية.
اعترضت شركة أرامكو على الاتفاق المبرم بين الحكومة السعودية وشركة ساتكو؛لأنه يتعارض مع اتفاق الامتياز الممنوح لها 1933م.
لحل هذا النزاع الناشئ بينهما اقترحت حكومة المملكة العربية السعودية عرض هذا النزاع على التحكيم.
أُبْرِمَ اتفاق التحكيم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو في 23/فبراير/1955م،والذي نص في المادة الرابعة منه على أن تتولى هيئة التحكيم الفصل في النزاع طبقا للقانون السعودي.
والمقصود بالقانون السعودي هو القانون الإسلامي تبعا للمذهب المطبق في المملكة العربية السعودية،وهو مذهب الأمام أحمد بن حنبل،وذلك إذا كان يتعلق بالمسائل الداخلة في اختصاص المملكة العربية السعودية،أما إذا كان يتعلق في المسائل التي لا تقع داخل إطار اختصاص المملكة العربية السعودية فيتم الفصل في النزاع طبقا للقانون الذي ترى محكمة التحكيم تطبيقه.
تم عرض موضوع النزاع على هيئة التحكيم التي رأت أنه من الواجب عليها حتى يتم تحديد القانون الواجب التطبيق على المنازعة أن تقوم بتكييف العلاقة القانونية في العقد المبرم بين الطرفين(محل المنازعة) من أجل معرفة ما إذا كان عقد الامتياز المبرم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو يعد تصرفا صادراً بالإرادة المنفردة أو عقدًا عامًا أو عقدًا إداريًّا أو عقدًا من عقود القانون الخاص.


بعد استماع هيئة التحكيم لطرفي الدعوى والحجج المقدمة من كليهما انتهت إلى أن القانون السعودي لا يعرف القانون العام أو فكرة القانون الإداري المعروف
في القانون الفرنسي،وأن فقه الأمام أحمد بن حنبل لا يتضمن آية قاعد تتعلق بالامتيازات المتعلقة بالمعادن،ومن باب أولى المتعلقة بالبترول.
وبناء عليه رفضت هيئة التحكيم الأخذ بوجهة النظر التي أبدتها الحكومة السعودية،وهي أن الفقه الإسلامي بناء على ما ذكره ابن تيمية لا يفرق بين المعاهدات المبرمة بين الدول وعقود القانون العام أو العقود الإدارية والعقود المدنية أو التجارية فكل هذه الاتفاقيات تحكمها قاعدة ثابتة واحدة هي قاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين(#_ftn1" target="_blank">[1]).
انتهت هيئة التحكيم في تكييف عقد الامتياز المبرم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو من المذكرات المقدمة من الحكومة السعودية ومن المناقشات الشفوية التي تمت أن العقد المبرم بين الطرفين يعتبر عقدا غير مسمى لا يمكن إدراجه في الطوائف القانونية المعتادة ورفضت اعتباره عقدا إداريًّا؛لأن القانون السعودي لا يعرف هذه الطائفة من العقود(#_ftn2" target="_blank">[2]).
وبعد أن نظرت هيئة التحكيم في موضوع المنازعة أصدرت قرارها في 23/أغسطس/1958مبأن اتفاق الحكومة السعودية مع شركة أوناسيس لا يخل بأي حق مكتسب لشركة أرامكو؛لأن عقد الامتياز بين المملكة العربية السعودية


وشركة أرامكو ليس فيه تقييد لحرية السعودية في اختيار كيفية نقل صادرات النفط (

دراسة تحليله:
أولاً:إن ما توصلت إليه هيئة التحكيم في تكييفها للعقد بأنه ليس عقدًا إداريًّا غير سليم.
حيث إنها بدأت بدارسة القانون الواجب التطبيق،ثم إنزال العقد عليه فرأت أنه لما كان القانون السعودي لا يعرف القانون الإداري فإن العقد لا يعتبر إداريًّا.
فهي لم تقم بدارسة العقد لمعرفة هل هو عقد إداري،وبالتالي تطبق عليه قواعد القانون الإداري أم أنه عقد خاص مع أن العقد إذا كان إداريًّا فإنه بعد إبرامه يكون إداريًّا و لا تتغير حاله باعتبار كون القانون الواجب التطبيق يعرفه أم لا.
وكان على هيئة التحكيم أن تطبق القانون الذي تراه محققا للعدالة المطلوبة؛لأنها هي غاية لدى العقلاء والمحكمين والقضاة.
مع أني أرى أن التكييف الصحيح للعقد المبرم بين المملكة العربية السعودية وشركة أرامكو يعتبر عقدا من العقود الإدارية لكونه عقد امتياز وهو من العقود المعروفة في القانون الإداري.



ثانياً:أرى أن ما ذكره المحكم من عدم معرفة القانون السعودي للقانون الإداري لا يسلم له،وإنما ينم عن جهل من هيئة التحكيم بحقيقة القانون السعودي الذي مصدرة الشريعة الإسلامية وما يصدر من أنظمة متطابقة مع الشريعة الإسلامية.
ومن المعلوم أن أحكام الفقه الإسلامي زاخرة بالحلول الناجعة للفصل في أي نزاع،سواء كان مثارة عقدًا إداريًّا أو خاصاً،ولقد بينت الحكومة السعودية لهيئة التحكيم ذلك،ولكن لم تأخذ بوجهة النظر السعودية.
ثالثاً:إن النظام السعودي يرى جواز اللجوء إلى التحكيم لفض منازعات العقود الإدارية منذ وقت بعيد،وقبل أن تعرفه النظم المعاصرة،وقبل أن يعرف وينتشر حيث إنه هو الذي عرض التحكيم لحل النزاع الذي بينه وبين شركة أرامكو. ومما يؤكد على ذلك أن عقود البترول التي كانت تبرمها المملكة العربية السعودية مع شركات البترول كانت تنص على اللجوء إلى التحكيم في حال نشوب نزاع بين الطرفين.
فمنها العقد المبرم بين المملكة العربية السعودية والشركة اليابانية للبترول في10 ديسمبر 1955م،والذي ورد فيه"أنه في حالة عجز الطرفين عن الوصول إلى تسوية ودية فيما يختلف عليه أو في حالة عجزهما عن الاتفاق على إحالة النزاع إلى محكمة ما فإن الخلاف يحال إلى مجلس تحكيم مكون من خمسة أعضاء ويصدر حكم الهيئة بأغلبية الآراء"(#_ftn4" target="_blank">[4]).

المطلب الثالث
شرط الموافقة الأولية على التحكيم في منازعات العقود الإدارية في النظام السعودي

يشترط النظام السعودي عند لجوء الجهات الإدارية إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية أن تكون هناك موافقة أولية من رئيس مجلس الوزراء.
وهذا الشرط جاء النص عليه في نظام التحكيم في المادة الثالثة التي نصت على أنه:"لا يجوز للجهات الحكومية اللجوء للتحكيم لفض منازعاتها مع الآخرين إلا
بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، ويجوز بقرار من مجلس الوزراء تعديل هذا الحكم".
كما جاء في اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 7/2021/م في 8/9/1405هـ في المادة الثامنة ما نصه:"في المنازعات التي تكون جهة حكومية طـرفا فيها مع آخرين ورأت اللجوء إلى التحكيم، يجب على هذه الجهة إعداد مذكرة بشأن التحكيم في هذا النزاع مبينًا فيها موضوعه ومبررات التحكيم وأسماء الخصوم، لرفعها لرئيس مجلس الوزراء للنظر في الموافقة على التحكيم،ويجوز بقرار مسبق من رئيس مجلس الوزراء أن يرخص لهيئة حكومية في عقد معين بإنهاء المنازعات الناشئة عنه عن طريق التحكيم، وفي جميع الحالات يتم إخطار مجلس الوزراء بالأحكام التي تصدر فيها".
فالمادة الثالثة من نظام التحكيم دلت على وجوب أخذ الموافقة الأولية من رئيس مجلس الوزراء عند للجوء إلى التحكيم في المنازعات الإدارية،والتي منها منازعات العقود الإدارية.


فالنظام السعودي جعل موافقة رئيس مجلس الوزراء على التحكيم شرطا لازمًا سواء كان شرطا أم مشارطة.
ولعل الحكمة من اشتراط الموافقة حتى تكون وسيلة لعدم الإسراف في اللجوء للتحكيم في المنازعات الإدارية كما أن هذه الموافقة تعتبر صمام أمان بالنسبة للعقود الإدارية ذات الطابع الدولي لارتباطها الوثيق بأمور التنمية كما تعد أحد
العوامل التي تؤدي إلى تقوية القدرة التنافسية للشركات الوطنية في مواجهة الشركات الأجنبية(#_ftn5" target="_blank">[5]).
والحصول على الإذن بالتحكيم يشمل جميع الأجهزة الحكومية بما في ذلك المؤسسات والهيئات العامة الإدارية والاقتصادية (#_ftn6" target="_blank">[6]).
وقد قصر النظام موافقة اللجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية على رئيس مجلس الوزراء فقط دون بقية أعضاء المجلس،وبالتالي فإن له السلطة التقديرية في الموافقة من عدمها.
إلا أن المادة أعطت لمجلس الوزراء الحق في تعديل حكم المادة حول هذه الموافقة،فلمجلس الوزراء أن يعطي جهة أو بعض الجهات الإدارية أن تلجأ إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية مباشرة دون الموافقة الأولية من رئيس الوزراء،وهذا يتم بالتصويت وَفْقًا لنظام مجلس الوزراء.
وصلاحية مجلس الوزراء بتعديل حكم المادة يعتبر أمر نظاميًا لكونه مفوض بهذا التعديل،وليس اعتداء منه باعتباره سلطة تنفيذية على صلاحيات السلطة التنظيمية.

ويتبين من خلال نص المادة الثالثة من النظام ونص المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية أن موافقة رئيس مجلس الوزراء تختلف بحسب وقت نشوء المنازعة.
فإذا لم تكن هناك منازعة فإنه من الجائز لرئيس مجلس الوزراء أن يوافق للجهة الإدارية أن تفض نزاعاتها بشرط أن يكون ذلك في العقد الإداري فقط أما المنازعات الإدارية الأخرى فإن الموافقة لا تكون إلا بعد نشوء النزاع بحيث يكون لمنازعات العقود الإدارية خاصية مميزة عن بقية المنازعات الإدارية الأخرى.
وأرى أن نص المادة الثامنة من اللائحة نص على عبارة (الناشئة ) ولو كانت بدلا عنها عبارة( التي تنشأ) لكان أولى حيث إن (الناشئة) المقصود بها التي حدثت فتكون الموافقة بعد حصول النزاع وهو ما يعارض نص المادة،أما عبارة (التي تنشأ)فتكون الموافقة بعد حصول النزاع وهو الذي يوافق نص المادة.
ولقد استثنى النظام السعودي في أنظمة صدرت حديثا شرط الموافقة الأولية على التحكيم، فأعطى للجهة الإدارية الحق باللجوء إلى التحكيم في منازعات العقد الإداري مباشرة دون أخذها الموافقة من رئيس مجلس الوزراء.
فنظام الاستثمار التعديني الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/47وتاريخ 20/8/1425هـ نص في المادة الثامنة والخمسين:"يجوز الاتفاق على تسوية أي
نزاع أو خلاف ينشأ بين مرخص له والوزارة عن طريق عن طريق التحكيم وَفْقًا لأحكام نظام التحكيم في المملكة العربية السعودية...".
والمقصود بالمرخص له كما جاء في المادة الأولى من النظام أنه:"الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يمنح حقوقا معينة بموجب هذا النظام".



وهذه الحقوق هي التي يمنح من خلالها المرخص له رخصة لاستطلاع أو كشف أو جمع مواد أو استغلال مواد معدنية(#_ftn7" target="_blank">[7])،وبالتالي تكون العلاقة بين المرخص له والدولة علاقة عقدية لدخول هذه الرخصة بعقد الامتياز.
كذلك جاء الاستثناء من شرط الموافقة الأولية للتحكيم في نظام الكهرباء الصادر بالمرسوم م/56 وتاريخ 20/10/1426هـ الذي نص في المادة الثالثة عشرة الفقرة الثامنة على أنه:"يجوز الاتفاق على تسوية أي نزاع أو خلاف ينشأ بين أي
مرخص له والهيئة عن طريق التحكيم وَفْقًا لأحكام نظام التحكيم"،وجاء في المادة الأولى تعريف المرخص له أنه:"كل شخص يحمل رخصة سارية المفعول صادرة من الهيئة تصرح له القيام بأي نشاط كهربائي" وعَرَّفَت الهيئة أنها:"هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج" وعَرَّفَت الرخصة أنها:"إذن تمنحه الهيئة للقيام بنشاط كهربائي بموجب هذا النظام ولوائحه التنفيذية وتنظيم الهيئة".
فالعلاقة التي بين المرخص له وهيئة تنظيم الكهرباء علاقة عقدية و تدخل هذه الرخصة ضمن عقود الامتياز.
فالنظام السعودي في هذين النظامين أعطى الجهة الإدارية أن تلجأ إلى التحكيم لفض المنازعات الناشئة عن العقود التي تبرمها مع المرخصين معهم،وبذلك يكون
ذلك استثناء من شرط الموافقة الأولية على اللجوء إلى التحكيم الوارد في نظام التحكيم.
وتثور هنا مسألة، وهي أن النظامين ذكرا عبارة "وَفْقًا لأحكام نظام التحكيم" فالنظاميين لما ذكرا أن يكون اللجوء إلى التحكيم وَفْقًا لنظام التحكيم فإنه يجب أخذ الموافقة الأولية من رئيس مجلس الوزراء،لأن نظام التحكيم اشترط ذلك.

وأرى أن وجهة النظر هذه قوية يمكن الجواب عليها بأمرين:
الأول:أن النظامين لما ذكرا جواز لجوء الجهة الإدارية مع المتعاقد معها إلى التحكيم لفض المنازعات الناشئة عن العقد لم يكن ذلك لغوا أو عبثا،وإنما لغاية وهي استثناء العقدين المبرمين نتيجة لهذين النظامين من نظام التحكيم؛لأنه لو لم يرد الجواز لما تغير شيء؛لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان وهو وجوب أخذ
الموافقة الأولية على التحكيم،ولولم يكن ذلك لكان ذكر التحكيم في النظامين لا فائدة له.
الثاني:أن المقصود بعبارة"أن يكون التحكيم وَفْقًا لنظام التحكيم"أي أن تكون إجراءاته من أول إجراء،وهو اعتماد وثيقة التحكيم وحتى صدور الحكم التحكيمي وَفْقًا لنظام التحكيم،وتحت إشراف ديوان المظالم باعتباره الجهة التي تنظر النزاع أصلا.
وأرى من المناسب أن يضاف في أول المادتين اللتين في النظامين :"استثناء من نص المادة الثالثة من نظام التحكيم يجوز الاتفاق على تسوية أي نزاع أو خلاف ينشأ بين مرخص له ...."،خروجا من أي خلاف يحصل في تفسير المادة.